الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

10

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الاسم على جميع كتب موسى ، واليهود يقولون ( سفر طورا ) فلمّا دخل هذا الاسم إلى العربية أدخلوا عليه لام التعريف التي تدخل على الأوصاف والنكرات لتصير أعلاما بالغلبة : مثل العقبة ، ومن أهل اللغة والتفسير من حاولوا توجيها لاشتقاقه اشتقاقا عربيا ، فقالوا : إنّ مشتق من الوري وهو الوقد ، بوزن تفعلة أو فوعلة ، وربّما أقدمهم على ذلك أمران : أحدهما دخول التعريف عليه ، وهو لا يدخل على الأسماء العجمية ، وأجيب بأن لا مانع من دخولها على المعرّب كما قالوا : الإسكندرية ، وهذا جواب غير صحيح ؛ لأنّ الإسكندرية وزن عربي ؛ إذ هو نسب إلى إسكندر ، فالوجه في الجواب أنّه إنّما ألزم التعريف لأنّه معرّب عن اسم بمعنى الوصف اسم علم فلمّا عربوه ألزموه اللام لذلك . الثاني أنّها كتبت في المصحف بالياء ، وهذا لم يذكروه في توجيه كونه عربيا ، وسبب كتابته كذلك الإشارة إلى لغة إمالته . وأما الإنجيل فاسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه . وهو اسم معرّب قيل من الرومية وأصله ( إثانجيليوم ) أي الخبر الطيّب ، فمدلوله مدلول اسم الجنس ، ولذلك أدخلوا عليه كلمة التعريف في اللغة الرومية ، فلمّا عرّبه العرب أدخلوا عليه حرف التعريف ، وذكر القرطبي عن الثعلبي أنّ الإنجيل في السريانية - وهي الآرامية - ( أنكليون ) ولعلّ الثعلبي اشتبه عليه الرومية بالسريانية ، لأنّ هذه الكلمة ليست سريانية وإنّما لما نطق بها نصارى العراق ظنّها سريانية ، أو لعلّ في العبارة تحريفا وصوابها اليونانية وهو في اليونانية ( أووانيليون ) أي اللفظ الفصيح . وقد حاول بعض أهل اللغة والتفسير جعله مشتقا من النجل وهو الماء الذي يخرج من الأرض ، وذلك تعسّف أيضا . وهمزة الإنجيل مكسورة في الأشهر ليجري على وزن الأسماء العربية ؛ لأنّ افعيلا موجود بقلة مثل إبزيم ، وربّما نطق به بفتح الهمزة ، وذلك لا نظير له في العربية . و مِنْ قَبْلُ يتعلّق ب أَنْزَلَ ، والأحسن أن يكون حالا أولى من التوراة والإنجيل ، و « هدى » حال ثانية . والمضاف إليه قبل محذوف منويّ معنى ، كما اقتضاه بناء قبل على الضم ، والتقدير من قبل هذا الزمان ، وهو زمان نزول القرآن . وتقديم مِنْ قَبْلُ على هُدىً لِلنَّاسِ للاهتمام به . وأما ذكر هذا القيد فلكي لا يتوهّم أنّ هدى التوراة والإنجيل مستمرّ بعد نزول القرآن . وفيه إشارة إلى أنّها كالمقدّمات لنزول القرآن ، الذي هو تمام مراد اللّه من البشر إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] فالهدى الذي سبقه غير تام .